بن عيسى باطاهر
107
المقابلة في القرآن الكريم
أخص خصائص الوحدانية كما ذكرنا ذلك سابقا ، والمقصود بالحاكمية إسناد الحكم والتشريع للّه وحده ، أمّا إذا تعدّى ذلك وأصبح في أيدي البشر « فهذا هو الذي يعني اتخاذ الأرباب لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج اللّه للحياة ، وفيما لم يأذن به اللّه ، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان اللّه اعتداء على عباده ، وما مهانة « الإنسان » عامة في الأنظمة الاجتماعية ، وما ظلم « الأفراد » والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم « الرأسمالية » إلا أثرا من آثار هذا الاعتداء على سلطان اللّه ، وإنكار الكرامة التي قررها اللّه للإنسان » « 1 » . أما عن القيم التعبيرية في الآيتين فإن التعبير جاء بطريقة المقابلة من زاويتين : أولا : مقابلة عامة بين رؤساء الدين الذين اتخذوهم أربابا وبين اللّه سبحانه وتعالى المستحق للألوهية والربوبية ، وهذه المقابلة تهدف إلى بطلان الباطل الذي هم عليه بعد هذا الصنيع ، وبيان أنّ الحلال والحرام حق للّه وحده . ثانيا : مقابلة ضمنية بين الحلال والحرام حيث أن عبادة واتباع أولئك الأحبار والرهبان هي الحرام الذي أنكره اللّه تعالى ، أما عبادة اللّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فهي الحلال الذي دعا إليه وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . وقال تعالى في سورة « التوبة » : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [ التوبة : 37 ] . تتحدث هذه الآية عن المشركين وموقفهم من الأشهر الحرم الأربعة التي حرّم اللّه فيها القتال ، وجعلها أشهر عبادة ، وعن تجاوزهم الحد في التعدي
--> ( 1 ) سيد قطب - معالم في الطريق - ص 10 .